Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for 12 مارس, 2011

الألمُ يتعافى بالألم.

بالفطرةِ أتألم، لا أبحثُ عنه، أو أدمنه ..
ليسَ أنه ألمٌ فطري فقط، إن آلامَ الآخرينَ تتجاوزهم وتنحازُ إلي، وكأن قلبَ دمها ينجذبُ إلى دمي،
لكن ألمي الخاص وحده يحافظُ على لذته الذاتية، ويُدمرُ كلَّ ما عداه بطموحٍ ونزاهة.
ألمي الجديدُ يعافي ألمي القديم، لا السعادةُ، ولا المتعة، ولا الحب، ولا اكتشافُ معارفٍ جديدة.
لا الكلماتُ، لا مقطوعة موسيقى مؤثرة، لا شئَ من ذلك يعافيني.
إنه ألمٌ تراكمي، كلُّ ألمٍ جديدٍ لا يمحو ما قبله، لكنه يشفيه من نفسه، ويخفيه عن عين إحساسي قليلاً.
يُرعبني جداً أنني الآنَ أفهمُ شيئاً عنه، وأنني تجاوزتُ مرحلةَ انتظارِ آلامٍ جديدة، ابتكرتُ طرقاً تبدو متوحشةً ومَرضيةً لمن يرغبُ في تصنيفها،
لكنها ليست أكثر من حاجةٍ لدفعي عن الجنون، والوقوع في حفرة الكآبة العميقة،
ليست أكثر من قوةٍ توقفني عن التورط مع العالم الخارجي.

أكثر الطرق لطفاً ومودة:
لا أحبُ منظر الدم، مذاقه لا يتناسبُ مع لونه، روحه الحمراء ورائحته الغريبة تبدو وكأنها تنبعثُ من حُكمٍ بالموت، وهذا يُنفرني منه أكثر.
لكن الأمواس الحادة ، الصغيرة تجذبني، لا يمكنني تجاوزها، عندما آراها في مداخل المحلاتِ الصغيرة، أو بين حاجياتِ أبي.
أحسُّ أن شرايين يدي البنفسجية والخضراء كغصنِ أزهر للتو، تنبضُ بقوةٍ مشدودةً إليها بلا إرادة.
أحملُ الموس معي كشفرةِ ألمٍ سحرية تحررني من الألم،
ودواءٌ لا أحدَ يفهمُ الأمانَ الذي يُشعرني به، كسلاحٍ يحرسني من العالم،
إنه مهربي الحقيقي إذا لم لزم الأمر.

لا حروق السيجارة، ولا إشعالُ الولاعةِ لوقتٍ طويلٍ على الجلد الناعم، لا غثيان الأدوية، أو غرز الإبر، لا التجويع، لا أزيز إبرة رسم التاتو، ولا خيالات التعذيب.
لا شئ من كل هذا يمكنه أن يوازي قوة وحالمية ثلاثة جروح صغيرة نحيلة تنزف برقةٍ من المعصم المرتعش.
أو ثلاثة جروح دامية محفورةٍ على جانب الفخذ، أطولُ قليلاً، وأكثر شجاعة، وأكثر شهوة للتنفس.
إنها نداءُ أرضي إلى زلزالها، إنها وقوعي تحت سطوة الجرح، وليست فكرة العلاج.
وكم هو فاتن ومدمرٌ ولذيذُ انسحاب الموسِ بخفةٍ لا حدَّ لها في الجسد الراغب.
كم هو مُرعبٌ احتواء تلك اللحظة الناعمة، عندما يُمرر نفسه على الجرح المفتوح للمرة الثانية والثالثة.
لا يلتفت، لا ينثني، لا يتذمر، يشقُّ اللحم الوردي الطازج نهراً جميلاً، يتخيلُ بمتعةٍ الأثرَ الذي سيتركه بعده، في أرقِ الحكةِ، ولسعةِ الحرارةِ، تحتَ الماءِ الدافئ.
حينها:
كلُّ ما كان تحت جلدي من قرفٍ يتحركُ على هيئةِ نمل، أو جنونِ الكآبة في لحظةِ مزاجها الخائب،
تنفي قلبي إلى الجحيم، روحي التي تتحولُ إلى طائر شوكٍ أعمى يبحثُ عن نافذته.
ليسَ فقط أن كل هذا يسيلُ مني متخفياً في دمٍ ساخنٍ فصيلته O-

لكنني أعودُ كما كنتُ، لما أنا عليه في الحقيقة؛
أعودُ ليلاً طويلاً، يسيرُ حافياً عبر المجرات مخنوقاً بالقلق والوساس،
أحتمي بظلامي المتوهج، من كل الظلمات الشاحبة المزيفة،
ولا تغويني أبداً كذبة النور.

Advertisements

Read Full Post »